شذرات — ناپوليون بونابرت



«إنني أعتبر الرجل الذي يقابل المصائب بصدر رحيب ويغالبها حتى يغلبها أشجع من الذي يقضي على نفسه بيده، إن البخع (الانتحار) لا يليق إلا بالمقامر إذا خسر، أو الشحيح إذا أفلس، وهو يدل على ضعف النفس والجبن».

— ناپوليون بونابرت.

«قد تكون الحوادث الكبرى معلقة بأمور تافهة، والحاذق هو من ينتفع بكل شيء، ولا يهمل أمرًا من الأمور التي تسهل له بلوغ غايته، وقد يغفل العاجز مسألة دقيقة واحدة فيتعقد كل شيء».

— ناپوليون بونابرت.

«إني أعتقد أن الحب مضرٌّ بالهيئة الاجتماعية، ومتلف لسعادة الأفراد، وأرى أن سيئاته أكثر بكثير من حسناته».

— ناپوليون بونابرت.

«لست أدري نفع البحث في مشروع لتعليم النساء؛ لأن خير معلم للفتاة هي أمها، أما التعليم في المدارس العامة فلا فائدة به لهن؛ لأنهن لن يشغلن مراكز سامية، فكل ما يحتجن إليه هو الأخلاق الفاضلة؛ لأن الزواج هو أعظم ما يتطلعن إليه».

— ناپوليون بونابرت.

«إن الإنسان في هذه الحياة كالمُوسيقار في مجمع الموسيقى، لا يتقن الضرب إلا على أداته، فإذا أُعطيت له أداة أخرى للتوقيع عليها ظهر عجزه. خُذ لذلك القائد (ناي) مثلًا؛ فقد كان يقود عشرة آلاف رجل بهمة وحذق، ولكنه فيما عدا ذلك كان لا يعرف شيئًا».

— ناپوليون بونابرت.

ڤيديو لهذا: https://youtu.be/Ns3fzRWZhxs

— الإغريق القُدامى والفعاليّة.



يوجد في بلدة إبيدوروس في اليونان مسرح قديم يتسع لأربعة عشر ألف مُتفرج. بُني المسرح على سفح تل، ويحيط به منظر رائع لجبال وأشجار سرو. ومجهز بأدوات سمعية بحيث من الممكن أنّ تسمع حفيف ورقة تسقط على منصة المسرح من أيّ موقع كان داخل المسرح. واعتاد الإغريق في عصرهم الكلاسيكي القديم مُنذ القرن السادس وحتى الثالث قبل الميلاد أن يسافروا لفترات طويلة على الرغم من قسوة الظروف، رغبة منهم في مشاهدة مسرحيات أو الإستماع إلى قصائد من الشِّعر في إبيدوروس أبتداءً من الفجر وحتى الغَسق لأيام طويلة وهم جالسون صفوفًا.

ويبدو لنا اليوم أنّ عشق الناس للنسرح ورغبتهم في تحمل بعض المشاق في سبيل إشباع هوايتهم ليسا بالأمر الغريب المثير، ولكن إذا تأملنا الحضارات الكبرى في عصرنا، ومن بينها الفارسية والهندية والشرق أوسطيّة، وكذا الصين نجد أن بالإمكان أن نتصور أن الإغريق هم الّذين يشعرون بأنهم على قدر كافٍ من الحرية، وقدر كاف من الثقة من حيث القدرة على التحكم في حياتهم وأن يقطعوا مسافات طويلة وفاءً لغرض واحد ووحيد وهو الإستمتاع الجماعي.

لقد عاش معاصرو الإغريق في ظل مجتمعات حكم فردي مطلق «أوتوقراطي»، وإن تباينت درجاته، حيث كانت إرادة الملك هي القانون وأن الخروج عليها يعني الحكم على من تحدى إرادته بالإعدام. ولم تكن من مصلحة الحاكم أن يسمح لرعاياه بأن يطوفوا داخل الأقليم، حتى وإن كانت روابط رعاياه بالأرض والنظم الروتينية الزراعيّة، قد سمحت لهم بأن يتخيلوا أنفسهم وقد سافروا في رحلات طويلة لأغراض الترويح.

وإن ما يُثير الدهشة بالقدر نفسه، حتى بالنسبة إلينا اليوم، أن أمة الإغريق عن بكرة أبيها أعتادت أن تُلقي أدوات العمل جانبًا – بما في ذلك أن تلقي السلاح إذا ما كانت الدول، المدن في حرب بعضها مع بعض — حتى تتاح لها فرصة المشاركة في الأولمبياد سواء كأبطال رياضيين أو جمهور مشاهدين.

والحقيقة أنّ الإغريق دون الشعوب القديمة جميعها، بل دون غالبية شعوب الأرض الآن، يتمتعون بحس قوي بالفعاليّة الشخصية – الإحساس بأنهم مسؤولون عن حياتهم، وأحرار في العمل حسب أختيارهم. ونجد أن أحد تعريفات السعادة عند الإغريق هو أنها تتألف من قدرة المرء على ممارسة إمكاناته وقدراته لتحقيق التميز والكمال في صورة حياة لا تعرف الضغوط والقيود.

وأقترن الحس الإغريقيّ بالفعالية الشخصية بحس قوي بالذاتية الفردية. وسواء أكان الإغريق أم العبريون هم الّذين أبتكروا النزعة الفردية – وهو موضوع خلافي – إلا أنّه مما لا شك فيه أن الإغريق رأوا أنفسهم أفرادًا متفردين لهم صفاتهم وأهدافهم المتميزة. ويدق هذا على أقل تقدير بالنسبة إلى عصر هوميروس في القرن الثامن أو التاسع الميلادي. ونلحظ أن كلاً من الأرباب البشر في الأوديسة والإلياذة لهم شخصياتهم الّتي أكتملت صورتها وأكتمل تفردها. علاوةً على هذا كانت الفوارق بين الأفراد موضوعًا ذا أهمية جوهرية في نظر فلاسفة الإغريق.

وأدى حس الإغريق بالفعالية إلى إذكاء تراث من جدل حامي الوطيس. ويوضح لنا هوميروس أن الإنسان إنما تحدده قدرته على الجدل بالقدر نفسه الّذي تحدده فيه براعته القتاليّة كمحارب. إن عضو مجلس العموم عليه أن يتحدى أي إنسان حتى إن كان الملك، ولا يقنع بالعيش ليروي حكاية ولكنه ينتزع بين الحين والحين الجمهور إلى صفه. وجرت المعارك الحدليّة في الميدان العام في الجمعية السياسية بل في الثكنات العسكرية.

وإن ما تفردت به الحضارات القديمة أن القضايا الكبرى للدولة، وكذا المسائل العامة، كانت موضوعًا للمناقشة العامة ولاتخاذ قرار بشأنها بين الجمهور وتدور معارك خطابية بلاغية دون فرض سلطة علوية. ولم تعرف بلاد الإغريق الطغاة كثيرًا، وإذا حدث أن أستولى طاغية على السلطة سرعان ما تبدله طبقة الأغنياء «الأوليجاركيّة» أو الديموقراطيات أبتداءً من القرن الخامس ق.م.

وتوافرت لدساتير بعض المدن آليات للحيلولة دون أن يصبح رجال الحكم طغاة، مثال ذلك أن مدينة دريروس في كريت حظرت على شخص ما تولي منصب «كوسموس» أي حاكم المدينة، إلا بعد مضي عشر سنوات منذ توليه آخر منصب له.

ومن الأمور المثيرة أيضًا بالقدر الّذي أثرناه به عشق الإغريق للحرية والفردية، إحساسهم بالفضول المعرفيّ إزاء العالَم. ذهب أرسطو إلى أن الفضول المعرفي هو الخاصية الفريدة الّتي تحدد البشر.

وقال القديس لوقا عن الأثينيين في فترة لاحقة: «يقضون وقتهم في رواية جديد أو الإستماع إلى جديد فقط، ولا شيء آخر». ويختلف الإغريق أختلافًا شاسعًا عن معاصريهم من حيث عشق تأمل طبيعة العالَم الّذي وجدوا أنفسهم فيه وأبتكروا نماذج له.

وصاغوا هذت النماذج على أساس التصنيف الفئوي للأشياء والموضوعات والأحداث، وتوليد قواعد وقوانين لها أتسمت بدقة كبيرة تكفي لوصفها وتفسيرها على أساس نسقيّ. وحدد هذا خصائص ما أنجزوه من تقدم في مجالات. وقال البعض ما أبتكروه من مجالات – الفيزياء، والفلك وهندسة البدهيات والمنطق الصوري والفلسفة العقلية والتاريخ الطبيعي والإثنوجرافيا.

إذا كانت الحضارات الكبرى المعاصرة للأغريق من قبلهم من مثل حضارة ما بين النهرين والحضارة المصرية، ثم بعد ذلك حضارات المايا، حققت مشاهدات نسقية في كل المجالات العلمية فإن الإغريق وحدهم هم الذين حاولوا تفسير مشاهداتهم في ضوء مبادئ أساسية.

وجدير بالذكر أن كلمة مدرسة التي نستعملها الآن مشتقة من الملمة الإغريقية سكولي Scholè والتي تعني «فراغ» أو وقت فراغ. وتعني فراغ عن الإغريق معاني كثيرة من بينها حرية البحث المعرفي. وكان تجار أثينا يسعدون إذ يرسلون أبناءهم إلى المدرسة حتى يستنى لهم إشباع فضولهم المعرفي.

— ريتشارد إي. نيسبت، جغرافية الفكر، الإغريق القُدامى والفعاليّة.

حصنٍ حصين — ماركوس أوريليوس



إنهم يبحثون عن منتجات لهم — في الريف، على البحر، على التلال. وأنت بصفةٍ خاصةٍ عُرضةٌ لهذه الرغبة المشبوبة. ولكن هذا من شِيَم الطَّغام؛ فمازال بإمكانك كلما شئتَ ملاذًا أنّ تطلبه في نفسك الّتي بين جنبيك. فليس في العالم موضوعٌ أكثر هدوءًا ولا أبعد عن الاضطراب مما يجد المرء حين يخلو إلى نفسه، وبخاصة إذا كانت نفسُه ثرية بالخواطر التي إذا أظَلَّتْه غَمَرَتْه بالسكينة التامة والفورية. ولستُ أعني بالسكينة إلا الحياة الّتي يحكمها العقلُ ويُحسِن قِيادَها. فلتمنحْ نفسَكَ دائمًا هذا الإستجمام، ولتجدِّد ذاتَك. ولتكن المبادئ العقليّة الّتي سوف تعود إليها هناك وجيزة وأساسيّة وكافية لأن تذهب بكل ألمك في الحال وتعيدك إلى أمورك المستأنَفة خاليًا من السخط عليها أو التبرم بها. تَذَكَّرْ أن عقلك الموجِّه لا يُقهَر إذا ما أعتصم بنفسه مُكتفيًا بذاته غير فاعلٍ شيئًا لا يُريد أنّ يفعله، حتى لو كان موقفه مجرد عناد؛ فما بالك إذا كان الحكم الّذي يكونه مؤيَّدًا بالعقل والرَّوِيَّة. لذا فإن العقل الخالي من الإنفعالات هو قلعة: ليس ثمة ملاذ للناس أقوى منه، ومن يأوي إليه فهو في حصنٍ حصين. فما أجهله مَنْ لا يرى هذه القلعة، وما أتسعه مَنْ لا يلوذ بهذا الحصن.

– ماركوس أوريليوس — التّأمُّـلات.

ميلاد التراجيديا – فريدريك نيتشه



الجمال الأبولي: – لا يمكن فهم العفوية لدى هومر، إلا بعدها أنتصارًا مؤزرًا للفهم الأبولي. وهذا أحد الأوهام الّتي تستخدمها الطبيعة كثيرًا لتحقيق غاياتها. إن الهدف الحقيقي محجوب بستار من السراب، وإننا نمد أيدينا للإمساك بشيء ما، لكن الطبيعة تخدعنا فتقدم بدلًا منه شيئًا آخر يخدم غاياتها. لقد كانت «الإرادة» عند اليونانيين في حالة تأمل عميق وتستعرض عالمها عبر العبقرية وعالَم الفن، وكانت تريد رؤية أن يلقى ما تبدعه النجاح والتهليل بجعله يعكس شعورًا بالعظمة، بالنظر إلى ذاته كونه مستوًى أرفع، دون أن يبدو هذا التأمل مفروضًا عليه فرضًا أو عقوبةً ولومًا. في هذه الدائرة الجماليّة كانت تنعكس إبداعات الإرادة بما تنتجه من أفكار متمثلة في آلهة الأولمب، وفي إطار هذا الإنعكاس اضطرمت المعركة بين الإرادة والهيلينة وموهبة العبقرية، تمثيلًا معادلًا للموهبة الفنيّة، للوصول إلى الألم وحكمة المُعاناة، لكي يرتفع هومر، فنان العبقرية شاهدًا على نجاح هذه الإرادة.


الجمال الديونيسي: – أن ما تقوله التراجيديا هو «نحن مؤمنون بخلود الحياة، أما الموسيقى فهي الفكرة المُباشرة لهذه الحياة». لكن الغاية من الفن التشكيليّ أمر مُختلف تمام الإختلاف. في الفن التشكيلي يتغلب أبولو على آلام الإنسان عن طريق التمجيد المُتنور لخلود الظاهرة. هنا الفكرة تتغلب على الألم الكامن في الحياة. فالألم، يقع ضحية التضليل ويبتعد بعيدًا عن الطبيعة. في الفن الديونيسي، ورمزيته التراجيدية، موجهة إلينا، وصوتها الحقيقي الجمهور يصرخ فينا: «فلتكونوا مثلي، مثلي أنا، أمكم الأزليّة، خلاقين أبدًا، ومدفوعين إلى الحياة، وتستمدون القناعة من ذلك التدفق الّذي لا ينقطع أبدًا من الظواهر.

ـــــــ فريدريك نيتشه، مولد التراجيديا.

آرثر شوپنهاور – عُبَاب الْبِحَار



Arthur Schopenhauer

«تتميز المُوسيقى عن بقية الفنون الأخرى، بواقعة أنها ليست من الظاهرة.. وإنما هي نسخة مُباشرة، من الإرادة ذاتها».

«الرغبات الّتي لا ترتوى أبدًا، والجهود المُحبطة، والآمال التي يحطمها القدر بلا رحمة. والأخطاء التعسة للحياة بأسرها، مع عذاب مُتصاعد، والموت في النهاية – ذلك كله عبارة عن مأساة مستمرة».

«الدافع الإلهي لجميع المخلوقات، هو إرادة الحياة».

مثلما يجلس ربان المركب في زورقه، مُفعمًا بالثقة لما يملك من حرفة في اختراق عباب البحار، المترامي الأطراف بلا نهاية، ارتفاعًا وانخفاضًا على ظهر الأمواج العاتية، هكذا يجلس الرجل العادي بهدوء جديد واثقاً ومستندًا إلى مبدأ الذاتية (الشخصنة).

«أنّ موهبة رؤية البشر والأشياء أحيانًا كأطياف أو صور رؤيوية، علامة على إمكانيّة فلسفيّة».

«تكمن خلف مظهر حركاتي البدنيّة حقيقة: هي الإرادة أو الرغبة. وهذه الإرادة لن تُوجد كما يوجد بدني في زمان ومكان، فهي ليست كيانًا ماديًا على الإطلاق، وإنما تتغلغل في الطبيعة الحية وغير الحقيقة داخل الكون».


ـــــ آرثر شوبنهاور.

أسطورة سيزيف – ألبير كامو

– شذرات


لوحة لسيسفوس أو سيزيف، للرسام تيتيان (1549).

إلى باسكال بيا – كامو: «آه يا روحي، لا تطمحي إلى الحياة الخالدة».

ــــــ بندار – أناشيد أبوللو.

قال چیته «أختصاصيّ هو الزمن». وهذا هو حقًا الكلام اللامجدي، تُرى ما هو الإنسان اللامجدي؟، أنّه من لا يفعل شيئًا بالنسبة للأبدية، رغم أنّه لا ينفيها. وليس هذا لأن الحنين غريب عنه، ولكنه يُفضل شجاعته وتعليله العقليّ.فشجاعته تُعلمه أنّ يعيش بدون نقض، وأن يحتمل ما لديه، أما تعليله العقليّ فأنّه يُخبره بحدوده، وبوثوقه من حريته المحدودة مؤقتًا، وفراغ مُستقبله، وأدراكه الفانيّ. فأنه يعيش مغامرته ضمن فترة حياته. هذا هو حقله، وهذه هي فعاليته الّتي يحكمها من أيّ حكم عليها غير حكمه هو. فحياة أعظم لا يُمكن أن تعني بالنسبة له حياة أخرى. لأن هذا يكون أمر غير عادل. ولست أتحدث هنا حتى ولا عن تلك الأبدية التافهة، الّتي تُسمى الأجيال قادمة.

ـــــــ ألبير كامو – Le Mythe de Sisyphe.

الأفكار التي كونها الإغريق والرومان عن الميثولوجيا


تمثال زيوس المعروض في أحد متاحف الفاتيكان.

كانت الميثولوجيا محور الحياة اليومية في اليونان القديمة. اعتبر الإغريق قصص وشخصيات ما ندعوه اليوم بالميثولوجيا تاريخاً. استخدموا الميثولوجيا لتفسير الظواهر الطبيعية، التغيرات في الحضارة، الصداقات والعداوات. كما خدمت الميثولوجيا كمصدراً للفخر والاعتزاز بالنسب المنحدر من قادة عظماء، أبطال ميثولوجيون أو حتى آلهة. قلة هم الإغريق الذين لم يؤمنوا بحصار طروادة، الإلياذة أو الأوديسة. تبعاً لباحثين، اعتمد الإغريق في بناء حضارتهم على معرفتهم بملاحم هوميروس. فكان هوميروس “منهاج تعليم اليونان” (Ἑλλάδος παίδευσις) وشعره “الكتاب”.


رسمة رفائيل لأفلاطون، ضمن تصوير جصي سميت بمدرسة أثينا (ربما حاول رفائيل تشبيهه بليوناردو دافنشي). هاجم الفيلسوف دراسة هوميروس والتراجيديات في كتابه الجمهورية.

بعد ظهور الفلسفة، التاريخ، النثر، والعقلانية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، أصبح مصير الميثولوجيا غير معروف، وحاول البعض إلغاء الأمور فوق الطبيعية من الميثولوجيا باعتبارها تاريخاً، مثل ثوسيديديس. وبدأ الشعراء وكتاب الدراما بإعادة كتابة الميثولوجيا، في حين بدأ الفلاسفة والمؤرخين بانتقادها.

اتهم بعض الفلاسفة المتطرفين، مثل كزينوفانيس، أعمال الشعراء بالتجديف، فاشتكى كزينوفانيس من إسناد هوميروس وهسيود “لكل ما هو مخز ومشين بين البشر، فهم يسرقون، ويمارسون الجنس مع الجميع، ويخدع أحدهم الآخر”. عبر عن طريقة التفكير هذه بشكل مفصل في كتب أفلاطون، الجمهورية والقانون. ابتكر أفلاطون قصصاً ميثولوجية تمثيلية الخاصة به (مثل رؤية إير في الجمهورية)، وهاجم القصص التقليدية التي تتحدث عن أساليب الخداع والسرقة التي تعتمدها الآلهو واعتبرها غير أخلاقية، واعترض على دورها المحوري في الأدب. كان انتقاد أفلاطون أول تحد جدي لميثولوجيا هوميروس التقليدية، بإشارته لها أنه مجرد “ثرثرة لزوجتين عجوزتين”. وانتقد أرسطو فلسفة ما قبل سقراط الشبه ميثولوجية، وشدد على أن “هسيود والكتاب اللاهوتيين، همهم الأكبر كان كتابة ما يبدو معقولاً لهم، ولم يكنوا أي احترام لنا […] لكن لا يستحق الأمر أخذ الكتاب الميثولوجيين على محمل الجد؛ بينما أولئك الذين يمضون قدماً في إثبات ادعاءاتهم، يجب علينا أن نفحص دراساتهم”.

لم يتلق رفض أفلاطون للميثولوجيا قبول الحضارة الشعبية الإغريقية. فبقيت حية في الديانات المحلية، ومصدر الإلهام الرئيسي في الشعر والنحت والرسم. في القرن الخامس قبل الميلاد، غير الشاعر التراجيدي يوربيديس بالتقاليد القديمة، فسخر منها، وشك بصحتها من خلال أصوات شخصياتها. لكن الشخصيات كانت دائماً مستوحاة من الميثولوجيا. وكتب الكثير من هذه المسرحيات كرد على نسخة سابقة من الميثولوجيا، أو قصة مشابهة لها. يتحدث يوربيديس عن الميثولوجيا ويظهر حقيقتها بشكل عام، ثم يبدأ بانتقادها مستخدماً حججاً شبيهة بتلك التي استخدمها زينوقراط: الآلهة، في التقاليد، تمتلك الكثير من الصفات البشرية.

– العقلانية الرومانيّة والهلنستيّة.

رأى شيشرون نفسه مدافع عن النظام القائم، بالرغم من شكه بصحة الميثولوجيا، وميله نحو المفاهيم الفلسفية للألوهية.

خلال الفترة الهلنستية، أحيطت الميثولوجيا بهيبة المعرفة، فيعدّ الخبير بها من طبقة عليا. في الوقت نفسه، زاد الشك في الميثولوجيا في العصر الكلاسيكي. أسس إفيميروس تقليد البحث عن أساس تاريخي للأحداث والكائنات الميثولوجية. مع أن أول عمل له (منحوتات مقدسة) ضاع، يعرف الكثير عنه من خلال ما سجله كل من ديودورس ولاكتانيوس.

أصبح جعل تفسير الميثولوجيا عقلاني أكثر شعبية من أي وقت مضى تحت حكم الإمبراطورية الرومانية، وذلك بفضل نظريات الرواقية وفلسفة الإبيقوريون. فقدمت الرواقية تفسيرات الآلهة والأبطال كظاهرة فيزيائية، بينما نظر لهم الإبيقوريون كشخصيات تاريخية. في الوقت نفسه، عززت الرواقية والإفلاطونية الجديدة المعاني الأخلاقية للتقاليد الميثولوجية. سعى لوقريطيوس من خلال رسالته الإبيقورية، طرد المخاوف المتطيرة من عقول المواطنين. كان تيتوس ليفيوس متشكك أيضاً في التقليد الميثولوجي، ويدعي أنه لا يحكم بناء على هذه الأساطير. واجه الرومان تحدياً، وهو الدفاع عن هذه التقاليد في وجه ادعاءات أنها مولودة من الخرافات. ماركوس تيرينتيوس فارو، المتخصص بالأثريات، رأى أن الدين معهد ذو أهمية كبيرة للحفاظ على الخير في المجتمع، وسخر سنين من حياته لدراسة أصول الديانات. يرى فاروس أنه في حين يخاف البشر الآلهة، الشخص المتدين حقيقة يراهم كأبوين. في أعماله، ميز ثلاثة أنواع من الآلهة:

آلهة الطبيعة: تجسيدات للظواهر الطبيعية كالمطر والنار.
آلهة الشعراء: اخترعها الشعراء عديمي المبادئ لتحريك العواطف.
آلهة المدينة: اخترعها المشرعين الحكماء لتهدئة وتنوير الجماهير.
يسخر الأكاديمي الروماني كوتا من القبول الحرفي والمجازي للميثولوجيا، معلناً بأن لا مكان لها في الفلسفة. ويزدرئ شيشرون من الميثولوجيا بشكل عام، لكنه مثل فارو، يدعم ديانة الدولة ومؤسساتها. من الصعب معرفة الدنو الذي تجاوزته هذه العقلانية في السلم الاجتماعي. يؤكد شيشرون أن لا أحد بتلك الحماقة ليصدق فظائع هاديس أو وجود السكايلا والقنطور وغيرها من المخلوقات المركبة، لكن من ناحية أخرى، يشتكي شيشرون من شخصيات الناس الساذجة والمتطيرة في عمل آخر له. يحتوي كتابه دو ناتورا ديوروم ملخص فكر شيشرون.

– التوفيق بين الميثولوجيا اليونانية والرومانية.

في الميثولوجيا الرومانية، جُمعت عبادة أبولو مع عبادة سول إنفكتوس. وكانت عبادة الشمس كحامية للإمبراطورية الديانة الرئيسية للإمبراطورية حتى حلت محلها المسيحية.

في أيام روما القديمة، ولدت ميثولوجيا رومانية جديدة من خلال شبه نقل للميثولوجيا الإغريقية مع تغيير للأسماء. هذا نتيجة لصغر الميثولوجيا الخاصة بهم، مما أدى إلى تبني الآلهة الرومانية الكبرى خصائص ما يوازيها من الآلهة الإغريقية. مثال على ذلك: الإلهان زيوس ويوبيتر. إضافة إلى التوفيق بين هاتين الديانتين، أدى اتصال الرومان بالديانات الشرقية إلى مزيد من التوفيق. مثلاً، دخلت عبادة الشمس إلى روما بعد حملات أورليان الناجحة في سوريا. دمجت الآلهة الآسيوية الميثرانية (الشمس) وبعل مع أبولو وهليوس في سول إنفكتوس، مع طقوس وسمات الديانات المختلفة مجتمعة معاً. قد يتم تعريف أبولو أحياناً على أنه هليوس أو ديونيسوس، لكن نادراً ما عكست النصوص الميثولوجية هذه التغيرات. فكانت الميثولوجيا الأدبية تزداد انفصالاً عن الممارسات الدينية الأساسية.

ألهمت نظريات العقلانية والتوفيق بين الأديان الترانيم الأورفكرية والساتورناليا لماكروبيوس. كانت الترانيم الأورفكرية مجموعة من القصائد من ما قبل الحقبة الكلاسيكية تعزى إلى أورفيوس. ألف هذه الترانيم عدة شعراء في الغالب، وتحوي مجموعة من الأدلة على الميثولوجيا في أوروبا قبل التاريخية. كان الغرض من ساتورناليا نقل الحضارة الهلنستية المستمدة من قراءته، مع أن معالجته للآلهة مستلهمة من الميثولوجيا والإلهيات المصرية والشمال إفريقية.

– wikipedia